محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : أخبرنا أبو نعيم ، قال : ثنا أبو هانئ ، قال : سئل عامر ، عن قوله : وَمَنْ كَفَرَ قال : من كفر من الخلق ، فإن الله غني عنه . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا سفيان ، عن إبراهيم ، عن محمد بن عباد ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قول الله : وَمَنْ كَفَرَ قال : " من كفر بالله واليوم الآخر " . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن عكرمة مولى ابن عباس في قول الله عز وجل : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فقالت الملل : نحن مسلمون فأنزل الله عز وجل : لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فحج المؤمنون ، وقعد الكفار . وقال آخرون : معنى ذلك : ومن كفر بهذه الآيات التي في مقام إبراهيم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . فقرأ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً فقرأ حتى بلغ : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ قال : من كفر بهذه الآيات ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . ليس كما يقولون : إذا لم يحج وكان غنيا وكانت له قوة فقد كفر بها . وقال قوم من المشركين : فإنا نكفر بها ولا نفعل ، فقال الله عز وجل : فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وقال آخرون بما : حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم ، قال : أخبرنا أبو عمر الضرير ، قال : ثنا حماد ، عن حبيب بن أبي بقية ، عن عطاء بن أبي رباح ، في قوله : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ قال : من كفر بالبيت . وقال آخرون : كفره به : تركه إياه حتى يموت . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثني أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، أما من كفر فمن وجد ما يحج به ثم لا يحج ، فهو كافر . وأولى التأويلات بالصواب في ذلك قول من قال : معنى وَمَنْ كَفَرَ ومن جحد فرض ذلك وأنكر وجوبه ، فإن الله غني عنه وعن حجه وعن العالمين جميعا . وإنما قلنا ذلك أولى به ، لأن قوله : وَمَنْ كَفَرَ بعقب قوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بأن يكون خبرا عن الكافر بالحج ، أحق منه بأن يكون خبرا عن غيره ، مع أن الكافر بفرض الحج على من فرضه الله عليه بالله كافر ، وإن الكفر أصله الجحود ، ومن كان له جاحدا ولفرضه منكرا ، فلا شك إن حج لم يرج بحجه برا ، وإن تركه فلم يحج لم يره مأثما . فهذه التأويلات وإن اختلفت العبارات بها فمتقاربات المعاني . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ يعني بذلك : يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر من ينتحل الديانة بما أنزل الله عز وجل من كتبه ، ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وجحد نبوته ؛ لم تجحدون بآيات الله ؟ يقول : لم تجحدون حجج الله التي آتاها محمدا في كتبكم وغيرها ، التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوته وحجته . " وأنتم تعلمون " ، يقول : لم تجحدون ذلك من أمره ، وأنتم تعلمون صدقه . فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم معتمدون الكفر بالله وبرسوله ، على علم منهم ومعرفة من كفرهم . وقد : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أما آيات الله : فمحمد صلى الله عليه وسلم . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر ، قال : ثنا عباد ، عن الحسن في قوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ قال : هم اليهود والنصارى . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم ممن ينتحل التصديق بكتب الله ، لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول : لم تضلون عن طريق الله ومحجته التي شرعها لأنبيائه وأوليائه وأهل الإيمان مَنْ آمَنَ يقول : من صدق بالله ورسوله ، وما جاء به من عند الله تَبْغُونَها عِوَجاً يعني تبغون لها عوجا والهاء والألف اللتان في قوله : تَبْغُونَها عائدتان على السبيل ، وأنثها لتأنيث السبيل . ومعنى قوله : تبغون لها عوجا ، من قول الشاعر ، وهو سحيم عبد بني الحسحاس :